إعادة إعمار غزة: بين جثث الأنقاض وبذور الأمل
كل حرب على قطاع غزة تترك وراءها مشهداً أشبه بيوم القيامة؛ بناً مدمرة تحولت إلى ركام، وشبكات طرق اختفت من الوجود، وبنى تحتية حيوية مثل المستشفيات والمدارز ومحطات الكهرباء والماء لم تعد صالحة للخدمة. لكن وراء هذا الدمار الكامل، تبرز مهمة شاقة ومعقدة، هي مهمة إعادة الإعمار. هذه المهمة لا تقتصر على رفع الأنقاض وإعادة بناء الجدران، بل هي عملية مصيرية تحدد مستقبل أكثر من مليوني إنسان، وستختبر جدية المجتمع الدولي وإرادة الفلسطينيين على حد سواء.
أولاً: حجم الكارثة.. إعمار لم يسبق له مثيل
لا يمكن فهم حجم مهمة إعادة الإعمار إلا بإدراك حجم الدمار:
1. الدمار السكني: دمرت أو تضررت عشرات الآلاف من الوحدات السكنية، مما خلق مئات الآلاف من المشردين الذين يعيشون في ظروف إنسانية مأساوية.
2. انهيار البنية التحتية: طالت الضربات شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء والاتصالات، مما أدى إلى أزمة إنسانية شاملة تهدد بانتشار الأوبئة.
3. تدمير القطاعين الصحي والتعليمي: لم تسلم المستشفيات والعيادات الصحية والمدارز والجامعات من القصف، مما يعني تدمير مقومات الحياة الكريمة وأساسيات المستقبل.
4. الاقتصاد المشلول: دمرت المنشآت الاقتصادية والصناعية الصغيرة، والمزارع، مما قضى على مصادر الرزق للآلاف وأدى إلى معدلات بطاء مرتفعة قياسية.
هذا الدمار الهائل يجعل من عملية إعادة الإعمار هذه الأصعب في تاريخ القطاع، بل وتضاهي في تعقيدها عمليات إعمار دول خرجت من حروب طاحنة.
ثانياً: التحديات الكبرى.. لماذا تختلف هذه المرة؟
تقف عقبات جسيمة في طريق إعادة البناء، تجعلها مهمة شبه مستحيلة في ظل الظروف الحالية:
1. الحصار والقيود الإسرائيلية: يظل الحصار الإسرائيلي المشدد منذ عام 2007 العقبة الأكبر. فإدخال مواد البناء (الأسمنت، الحديد، الزجاج...) يخضع لرقابة صارمة وإجراءات معقدة، بدعوى أن حماس قد تستخدمها لأغراض عسكرية. هذا يشل أي عملية بناء حقيقية واسعة النطاق.
2. التمويل الهائل: تقدر تكاليف إعادة الإعمار بمليارات الدولارات. المجتمع الدولي، الذي يعاني من أزمات اقتصادية متلاحقة وتشعب الأزمات العالمية، قد لا يكون قادراً أو راغباً في توفير هذا المبلغ الضخم، خاصة في غياب ضمانات لاستدامة هذا البناء وعدم تدميره مرة أخرى.
3. الانقسام الفلسطيني الداخلي: يشكل الانقسام بين السلطة الفلسطينية في رام الله وحماس في غزة عائقاً مؤسسياً وسياسياً خطيراً. فمن سيدير الأموال؟ ومن سيشرف على المشاريع؟ غياب حكومة فلسطينية موحدة يثبط جهود المانحين ويعقد آليات التنفيذ.
4. استدامة الإعمار: دوامة التدمير وإعادة البناء: السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا سيمنع تدمير كل هذا الجهد في حرب قادمة بعد سنوات؟ إعادة الإعمار دون حل سياسي ينهي الاحتلال ويضمن حقوق الشعب الفلسطيني هي مجرد "دورة مفرغة" من الدمار وإعادة البناء.
ثالثاً: متطلبات النجاح.. من أجل مستقبل أفضل
لكسر هذه الدورة المأساوية، لا بد من مقاربة مختلفة جذرياً تقوم على:
1. ربط الإعمار بالحل السياسي: يجب أن تكون إعادة الإعمار جزءاً من عملية سياسية شاملة تهدف إلى إنهاء الحصار وتمهيد الطريق نحو تحقيق حل الدولتين، أو أي حل عادل ودائم. البناء دون سياسة هو إهدار للمال والجهد.
2. نموذج إعمار مستدام وشامل: يجب ألا يقتصر الإعمار على إعادة ما كان موجوداً. بل يجب بناء مدن ذكية، وأنظمة طاقة متجددة (كالطاقة الشمسية)، وشبكات مياه متطورة، ومؤسسات تعليمية وصحية更具 قدرة على الصمود. الهدف هو بناء غزة أفضل، وليس نسخة طبق الأصل عن غزة المأساوية السابقة.
3. آلية دولية لضمان الشفافية والفعالية: هناك حاجة إلى آلية إشراف دولية مستقلة وشفافة، بالتعاون مع السلطة الفلسطينية والأمم المتحدة، لضمان وصول المساعدات بشكل مباشر للمحتاجين وعدم انحرافها، وبما يضمن أيضا دخول مواد البناء دون عوائق.
4. تمكين القطاع الخاص والمجتمع المدني: يجب أن يكون للقطاع الخاص الفلسطيني والمؤسسات الأهلية دور محوري في عملية البناء، لضخ الحيوية في الاقتصاد وخلق فرص عمل، والمساهمة في بناء مجتمع مدني قوي.
الخاتمة: مسؤولية إنسانية وأخلاقية
إعادة إعمار غزة ليست ترفاً سياسياً، بل هي واجب إنساني وأخلاقي وقضية عدالة. إنها اختبار حقيقي لضمير العالم. النجاح في هذه المهمة المستحيلة ظاهرياً سيعني منح جيل جديد من أطفال غزة فرصة للحياة بكرامة وأمل، وسيساهم في استقرار المنطقة بأكملها. أما الفشل، فسيعني دفن مستقبل مليوني إنسان تحت الأنقاض مرة أخرى، وإعداد الأرضية للصراع القادم. الخيار بين البناء والدمار هو خيار العالم اليوم، وعليه أن يتحمل عواقب هذا الخيار.



تعليقات
إرسال تعليق